الخطيب الشربيني

372

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

نَكْفُرَ بِاللَّهِ أي : الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً أي : شركاء نعبدهم من دونه ، فإن قيل : لم قيل قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بغير عطف وقيل وقال الذي استضعفوا أجيب : بأن الذين استضعفوا مر أولا كلامهم ، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول . تنبيه : يجوز رفع مكر من ثلاثة أوجه : أحدها : الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين كما مر . الثاني : أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي : مكر الليل صدنا . الثالث : العكس أي : سبب كفرنا مكركم وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم ليل ماكر والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام كقول الشاعر « 1 » : ونمت وما ليل المطي بنائم فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه ، وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مصدرا مضافا لمفعوله قال ابن عادل : وهذا أحسن من قول من قال : إن الإضافة بمعنى في أي : مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في محل النزاع وقيل مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ الحديد : 16 ] . تنبيه : قوله تعالى أولا يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بلفظ المستقبل ، وقوله تعالى في الآيتين الأخيرتين قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع ، أشار به إلى أن ذلك لا بد من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] وأما الاستقبال فعلى الأصل وَأَسَرُّوا أي : الفريقان النَّدامَةَ من المستكبرين والمستضعفين وهم الظالمون في قوله تعالى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ [ سبأ : 31 ] يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين لَمَّا أي : حين رَأَوُا الْعَذابَ أي : حين رؤية العذاب أخفاها كل عن رفيقه مخافة التعبير . وقيل : معنى الإسرار والإظهار وهو من الأضداد أي : أظهروا الندامة قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله تعالى بقولهم أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [ السجدة : 12 ] وأجيبوا : بأن لا مرد لكم فأسروا ذلك القول وقوله تعالى وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ أي : الجوامع التي تغل اليد إلى العنق فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا يعم الأتباع والمتبوعين جميعا ، وكان الأصل في أعناقهم ولكن جاء بالظاهر تنويها بذمهم وللدلالة على ما استحقوا به

--> ( 1 ) صدره : لقد لمتنا يا أم غيلان في السّرى والبيت من الطويل ، وهو لجرير في ديوانه ص 993 ، وخزانة الأدب 1 / 465 ، 8 / 202 ، والكتاب 1 / 160 ، ولسان العرب ( ربح ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 8 / 60 ، والإنصاف 1 / 243 ، وتخليص الشواهد ص 439 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 222 ، والمحتسب 2 / 184 ، والمقتضب 3 / 105 ، 4 / 331 .